القانون حاضر في تفاصيل كثيرة من حياتنا وأعمالنا، لكنه ليس دائماً سهل الوصول إليه.
قد يكون النص القانوني منشوراً بالفعل، وقد تكون المعلومة موجودة في مكان ما، لكن الوصول إلى النص الصحيح، ومعرفة ما إذا كان لا يزال نافذاً، وتتبع تعديلاته، وفهم علاقته بتشريعات أخرى، ثم الوصول إلى اجتهاد أو مرجع ذي صلة؛ كل ذلك قد يتحول إلى عملية تستغرق وقتاً وجهداً أكبر مما ينبغي.
وهنا بدأت فكرة بنود.
لم نبدأ من سؤال: كيف نبني روبوتاً يجيب عن الأسئلة القانونية؟
بدأنا من سؤال أبسط وأعمق:
لماذا لا يزال الوصول إلى المعرفة القانونية والبحث فيها بهذه الصعوبة؟
المشكلة ليست في غياب المعلومات
جزء كبير من المعرفة القانونية موجود بالفعل.
هناك قوانين ومراسيم وقرارات وتعليمات واجتهادات ومراجع. المشكلة أن وجود هذه المعلومات لا يعني بالضرورة سهولة استخدامها.
النص قد يكون موجوداً في ملف PDF طويل.
وقد يظهر في نتيجة بحث قديمة.
وقد تجد النسخة الأصلية من قانون ما دون تعديلاته اللاحقة.
وقد تحتاج إلى الانتقال بين عدة مصادر لتكوين صورة واحدة متكاملة عن مسألة قانونية.
بالنسبة للمحامي، هذه ليست مجرد تجربة استخدام سيئة. إنها وقت يُستهلك في الوصول إلى المعلومة بدلاً من تحليلها.
وبالنسبة للطالب أو الباحث أو صاحب العمل أو الفرد العادي، قد تكون العقبة أكبر: من أين يبدأ؟ ما النص الذي يبحث عنه؟ وهل ما وجده هو النص الذي يمكن الاعتماد عليه فعلاً؟
المشكلة إذاً ليست أن القانون غير موجود.
المشكلة أن المعرفة القانونية ما زالت في كثير من الأحيان مجزأة، صعبة البحث، وأصعب في الربط والفهم.
البحث التقليدي يحل جزءاً فقط من المشكلة
غيّرت محركات البحث الطريقة التي نصل بها إلى المعلومات، لكنها لم تُبنَ خصيصاً لفهم القانون.
يمكنك البحث عن اسم قانون أو رقم مرسوم، وقد تصل إلى ما تريد بسرعة. لكن البحث يصبح أكثر تعقيداً عندما لا تعرف مسبقاً ما الذي يجب أن تبحث عنه.
قد يكون لديك سؤال قانوني، لا اسم تشريع.
وقد تبحث عن مفهوم ورد بصياغة مختلفة عن الكلمات التي استخدمتها.
وقد تحتاج إلى معرفة مجموعة من النصوص المرتبطة ببعضها، لا وثيقة واحدة فقط.
وهنا تظهر حدود البحث بالكلمات المفتاحية.
البحث القانوني الحقيقي لا يتعلق فقط بالعثور على كلمة داخل مستند. بل يتعلق بفهم السياق والعلاقات والتسلسل التشريعي والمعنى.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي
غيّرت النماذج اللغوية توقعاتنا بالكامل.
فجأة أصبح بإمكاننا أن نسأل سؤالاً طبيعياً، ونحصل خلال ثوانٍ على إجابة مفصلة تبدو وكأنها كُتبت خصيصاً لنا.
وهذا تطور هائل.
لكن في المجال القانوني، جودة اللغة وحدها لا تكفي.
الإجابة المقنعة قد تكون خاطئة.
النص القانوني المذكور قد لا يكون موجوداً أصلاً.
قد تكون المعلومة صحيحة تاريخياً ولكنها لم تعد نافذة.
وقد يخلط النموذج بين أنظمة قانونية مختلفة أو يستنتج قاعدة لا يدعمها المصدر.
في مجالات كثيرة يمكن أن تكون هذه الأخطاء مزعجة.
في القانون، يمكن أن تكون جوهرية.
لهذا لم نكن نريد بناء واجهة تضع نموذجاً لغوياً خلف مربع محادثة ثم تطلب من المستخدم أن يثق بالإجابة.
في القانون، القدرة على الإجابة ليست كافية. يجب أن يكون بالإمكان معرفة من أين جاءت الإجابة.
من هنا جاءت فكرة بنود
نريد أن نجعل المعرفة القانونية قابلة للبحث والاستكشاف والفهم بطريقة أقرب إلى الطريقة التي يفكر بها الإنسان.
أن تتمكن من البحث عن نص عندما تعرفه.
وأن تتمكن أيضاً من وصف المسألة عندما لا تعرف النص الذي تحتاجه.
أن تنتقل من قانون إلى التعديلات المرتبطة به.
ومن مادة إلى تشريعات أخرى ذات علاقة.
ومن سؤال إلى مصادر يمكنك فتحها وقراءتها والتحقق منها بنفسك.
وأن يساعدك الذكاء الاصطناعي في البحث والتحليل، بدلاً من أن يطلب منك التعامل معه كمصدر مستقل للحقيقة.
لهذا لا ننظر إلى بنود باعتباره مجرد مكتبة إلكترونية للقوانين.
ولا باعتباره مجرد مساعد ذكاء اصطناعي قانوني.
ما نحاول بناءه هو طبقة حديثة للوصول إلى المعرفة القانونية والعمل معها.
القانون ليس مجموعة مستندات منفصلة
من أهم المبادئ التي ننطلق منها أن القانون ليس أرشيفاً من الملفات المستقلة.
التشريعات تتغير.
قانون يعدل قانوناً آخر.
مادة تستبدل مادة سابقة.
تشريع قد يلغى كلياً أو جزئياً.
قرار يعتمد على قانون، وتعليمات تصدر لتنفيذه، واجتهاد قضائي يفسر كيفية تطبيقه.
إذا عرضنا كل وثيقة بشكل منفصل فقط، فنحن نعرض النصوص، لكننا لا نعرض الصورة كاملة.
لهذا نهتم في بنود بالعلاقات بين النصوص بقدر اهتمامنا بالنصوص نفسها.
الهدف هو أن يتحول البحث القانوني تدريجياً من البحث داخل مستندات إلى البحث داخل منظومة مترابطة من المعرفة القانونية.
نريد أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة للمحامي، لا بديلاً عنه
هناك سؤال يتكرر منذ صعود الذكاء الاصطناعي: هل سيستبدل المحامين؟
نعتقد أن السؤال الأهم مختلف.
ما الذي يمكن أن يتوقف المحامي عن إضاعة وقته فيه؟
لا ينبغي أن تكون قيمة المحامي في قدرته على فتح عشرات الملفات للعثور على مادة يعرف أنها موجودة في مكان ما.
ولا في نسخ أجزاء من تشريع إلى مستند آخر.
ولا في تكرار عمليات بحث يمكن للآلة تنفيذها خلال ثوانٍ.
القيمة الحقيقية في فهم المسألة، وبناء الحجة، وتقييم المخاطر، وربط الوقائع بالقانون، واختيار الاستراتيجية، وتحمل المسؤولية المهنية عن القرار.
إذا استطاعت التقنية تقليل الوقت الذي يسبق هذه المرحلة، فهي لا تقلل من قيمة المحامي.
بل تسمح له بالتركيز على الجزء الذي يحتاج إليه فعلاً.
لكن بنود ليس للمحامين فقط
المحامي هو أحد أهم المستخدمين الذين نبني لهم، لكنه ليس الوحيد.
هناك طالب يحاول فهم موضوع قانوني للمرة الأولى.
باحث يحتاج إلى تتبع التشريعات ذات العلاقة.
شركة تريد معرفة الإطار القانوني لمسألة تجارية.
ومستخدم يريد ببساطة أن يعرف ماذا يقول القانون قبل أن يقرر خطوته التالية.
لا يعني ذلك أن كل شخص سيصبح قادراً على الاستغناء عن المختص القانوني.
لكنه يعني أن الوصول إلى النص القانوني الأساسي وفهم السياق الأولي حوله لا ينبغي أن يكون مهمة معقدة.
المعرفة القانونية يمكن أن تكون أكثر وضوحاً دون أن تصبح أقل دقة.
ما الذي نحاول تغييره؟
نريد أن يصبح من الطبيعي أن تكتب سؤالاً قانونياً كما تفكر فيه، لا كما يتوقع منك محرك البحث أن تصيغه.
أن تجد النصوص ذات الصلة، حتى إن لم تعرف أرقامها مسبقاً.
أن تعرف لماذا ظهرت نتيجة معينة.
أن تستطيع الرجوع إلى المصدر.
وأن ترى القانون ضمن سياقه، لا كصفحة معزولة.
نريد أيضاً أن تكون الأدوات التي كانت متاحة تاريخياً للمؤسسات الكبيرة أو للباحثين المتخصصين متاحة بصورة أبسط لشريحة أوسع بكثير.
وأن يعمل كل ذلك بالعربية من البداية، لا كطبقة ترجمة أضيفت لاحقاً إلى منتج صُمم لسوق مختلف.
هذه مجرد البداية
بنود لن يُبنى في يوم واحد.
المعرفة القانونية ضخمة، متغيرة، ومعقدة بطبيعتها. وكلما اقتربت الأدوات من اتخاذ دور أكبر في البحث والتحليل، ازدادت أهمية الدقة والمصادر والشفافية.
لذلك نفضّل بناء هذه المنظومة تدريجياً.
نضيف البيانات.
نربط النصوص.
نحسن البحث.
نختبر كيف يستخدم المحامون والباحثون الأدوات فعلياً.
ونتعلم أين يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير وقت حقيقي، وأين يجب أن يتراجع خطوة ويعرض المصدر للمستخدم بدلاً من محاولة إعطائه إجابة نهائية.
رؤيتنا في النهاية بسيطة:
أن يصبح الوصول إلى القانون أسهل، والبحث فيه أذكى، والتحقق منه أوضح.
هذا هو السبب الذي بنينا من أجله بنود.
وهذه أيضاً نقطة البداية.
المدونة
العودة إلى المدونة
